مقدمة
لقد شكّل الخطاب الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية لهذه السنة منعطفاً حاسماً في مسار التفكير الوطني.
فمن وراء نبرة الخطاب الهادئة وعباراته الموزونة، تبلورت رؤية اجتماعية وسياسية واضحة ترتكز على ثلاثة أعمدة أساسية:
🔹 العدالة المجالية،
🔹 والعدالة الثقافية — تلك الركيزة الصامتة التي بدونها لا تستقيم أية نهضة.
1️⃣ العدالة المجالية: إعادة الاعتبار للمغرب العميق
أعاد جلالة الملك إلى صدارة النقاش الوطني قضية المجالات القروية والجبلية التي طالها التهميش التنموي لعقود.
وكانت مأساة إقليم الحوز، المتضرر من زلزال 2023، دليلاً مؤلماً على الحاجة إلى إعادة البناء المادي والمعنوي في آنٍ واحد، انطلاقاً من قيم التضامن والإنصاف وحضور الدولة الفعلي إلى جانب الفئات الهشة.
إن هذه الرؤية الملكية تستجيب بعمقٍ لتطلعات الجيل المغربي الجديد – جيل زي، الباحث عن الكرامة، وتكافؤ الفرص، والشفافية، والولوج الفعلي إلى التعليم والصحة والثقافة.
3️⃣ 2030: موعد حضاري قبل أن يكون رياضياً
إن استضافة كأس العالم 2030 ليست مجرد حدث رياضي، بل امتحان حضاري شامل.
فهي تمتحن قدرتنا على تقديم صورة المغرب الحديث، المبدع، المتجذر في أصالته والمنفتح على العالم.
فالتنمية لا تُقاس فقط بعدد الكيلومترات من الطرق أو بعدد الفنادق، بل تُقاس بمدى حيوية الروح الثقافية في المجتمع.
ينبغي للمغرب أن يُسمِع العالم موسيقاه الخاصة، وأن يُظهر ألوانه، وأن يروي قصته بنفسه.
4️⃣ مأساة المسارح المغلقة: عبث تنموي يجب تصحيحه
بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على القرار الملكي التاريخي للراحل الحسن الثاني، القاضي بتخصيص 1 % من ميزانية الجماعات المحلية لبناء وتشغيل المسارح، يبدو الواقع اليوم مؤلماً:
عشرات المسارح، بُنيت بأموال الشعب، مغلقة أو مهجورة أو في حالة تدهور.
ويكفي أن نذكر مسرح عبد الرحيم بوعبيد بالمحمدية الذي تحول من منارة للأمل إلى رمز للهدر الثقافي.
ومع ذلك فالحلول واضحة وبسيطة ووطنية:
- يجب أن يحتضن كل مسرح في المغرب على الاقل فرقتين موسيقيتين دائمتين: فرقة للموسيقى التقليدية، تحفظ التراث وتغذيه، وفرقة للموسيقى العصرية، تنفتح على العالم وتجدد الإبداع.
- كما يجب أن يتوفر كل مسرح على فرقتين أو ثلاثٍ مسرحية، موجهة للأطفال واليافعين والجمهور العام، إضافة إلى إنتاجات دولية مشتركة.
ينبغي لهذه الفضاءات أن تعود مراكز للحياة اليومية، حيث تتجاور المسرحية مع الرقص والموسيقى والشعر والحكي.
فالثقافة ليست زينةً هامشية، بل صناعة واقتصاد وكرامة.
5️⃣ صناعة الثقافة: الثروة المنسية في الاقتصاد الوطني
يزخر المغرب بآلاف الفنانين العاطلين، خريجي المعاهد والمراكز والجمعيات، أو المبدعين العصاميين الذين لا يجدون إطاراً مؤسساتياً لطاقاتهم.
لقد آن الأوان للحديث عن الصناعة الثقافية كما نتحدث عن الصناعة الميكانيكية أو السياحية أو الطاقية.
إنها الصناعة التي تُنعش المدن، وتربط الجهات، وتهذب الذوق العام، وتمنح الشباب أملاً ومساراً.
كل مسرح يمكن أن يتحول إلى قطب اقتصادي محلي عبر:
- إنشاء الفرق الفنية الدائمة
- ورشات الديكور والأزياء والإضاءة
- مدارس الفنون الدرامية والموسيقية
- مهرجانات جهوية منتظمة
- شراكات بين الفنانين والمؤسسات التعليمية
- برامج موجهة للأطفال والنساء والشباب في الأحياء الشعبية والقرى
بهذا النموذج يمكن خلق آلاف فرص الشغل المباشر وغير المباشر، وإعادة الثقة إلى الأجيال الصاعدة: الإبداع بدلاً من الهجرة، والعمل بدلاً من الانتظار.
6️⃣ العدالة الاجتماعية والثقافية: معركة واحدة
العدالة الاجتماعية تضمن للإنسان حقه في التعليم والصحة والعمل، أما العدالة الثقافة فتعيد إليه حقه في الحلم والجمال والكلمة والخيال.
وهذا هو جوهر الكرامة الإنسانية.
ويجب أن نُؤكد على أن هذه العدالة تتضمن عدالة ثقافية تُعيد للروح المغربية إشراقها، وللمجتمع توازنه، وللوطن مكانته بين الأمن المبدعة.
7️⃣ رؤية 2030 المتكاملة: الرياضة، الثقافة، والوعي
التحضير لـ2030 لا يعني بناء الملاعب فقط، بل يعني بناء إنسانٍ جديد.
ينبغي لكل مدينة وجماعة وقصر ثقافة أن تدمج الثقافة في خططها التنموية من خلال:
- برمجة فنية دائمة
- فتح المسارح المغلقة وتسييرها بشفافية وتشاركية
- خلق مناصب ثقافية قارة
- إشراك المدارس والجامعات في تغذية الحياة الفنية
فمن خلال الثقافة يستعيد الشباب رابطهم الحقيقي بالوطن، لا كشعار بل كحياة ومعنى.
2️⃣ العدالة الاجتماعية: الإصلاح والمسؤولية المشتركة
وفي معرض تناوله للعلاقة بين التحضير لمونديال 2030 والإصلاحات الاجتماعية الملحّة، رسم جلالة الملك معادلة دقيقة:
أي أن مونديال 2030 ليس ترفاً، بل رافعة للنهوض الوطني الشامل.
فالملاعب ستستقبل المباريات، أما المسارح، مبدئيا، ودور الشباب، والساحات العامة، فعليها أن تستقبل الناس – بثقافتهم، ومواهبهم، وصوتهم الجماعي.